ابن الجوزي
37
زاد المسير في علم التفسير
لكم على مفارقة الدين ولا نصبر لكم على مفارقتكم ، ومفارقة الأموال ، والمساكن ، فأعلم الله عز وجل أن من كان بهذه الصورة ، فهو عدو ، إن كان ولدا ، أو كانت زوجة . وقال مجاهد : كان حب الرجل ولده وزوجته يحمله على قطيعة رحمه ومعصية ربه . وقال قتادة : كان من أزواجهم ، وأولادهم من ينهاهم عن الإسلام ، ويثبطهم عنه ، فخرج . في قوله [ عز وجل ] : ( عدوا لكم ) ثلاثة أقوال : أحدها : بمنعهم من الهجرة ، وهذا على قول ابن عباس . والثاني : بكونهم سببا للمعاصي ، وهذا على قول مجاهد . والثالث : بنهيهم عن الإسلام ، وهذا على قول قتادة . قوله [ عز وجل ] : ( فاحذروهم ) قال الفراء : لا تطيعوهم في التخلف . قوله [ عز وجل ] : ( إنما أموالكم وأولادكم فتنة ) أي : بلاء وشغل عن الآخرة . فالمال والأولاد يوقعان في العظائم إلا من عصمة الله . وقال ابن قتيبة : أي : إغرام . يقال : فتن فلان بالمرأة ، وشغف بها ، أي : أغرم بها . وقال أهل المعاني : إنما دخل " من " في قوله [ عز وجل ] : " إن من أزواجكم " لأنه ليس كل الأزواج ، والأولاد أعداء . ولم يذكر " من " في قوله [ عز وجل : ( إنما أموالكم وأولادكم فتنة ) لأنها لا تخلو من الفتنة ، واشتغال القلب بها . وقد روى بريدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يخطب ، فجاء الحسن ، والحسين ، عليهما السلام ، عليهما قميصان أحمران يمشيان ، ويعثران ، فنزل من المنبر ، فحملهما ، فوضعهما بين يديه ثم قال : " صدق الله عز وجل : ( إنما أموالكم وأولادكم فتنة ) نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ، ويعثران ، فلم أصبر حتى قطعت حديثي ، ورفعتهما " . قوله [ عز وجل ] : ( والله عنده أجر عظيم ) أي : ثواب جزيل ، وهو الجنة . والمعنى : لا تعصوه بسبب الأولاد ، ولا تؤثروهم على ما عند الله من الأجر العظيم ( فاتقوا الله ما استطعتم ) أي : ما أطقتم ( واسمعوا ) ما تؤمرون به ( وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ) وفي هذه النفقة ثلاثة أقوال . أحدها : الصدقة ، قاله ابن عباس . والثاني : نفقة المؤمن على نفسه ، قاله الحسن . والثالث : النفقة في الجهاد ، قاله الضحاك ( ومن يوق شح نفسه ) حتى يعطي حق الله في ماله . وقد تقدم بيان هذا في سورة الحشر وما بعده وقد سبق بيانه إلى آخر السورة .